الأربعاء, 21 أبريل 2021

اللغة المحددة: العربية

الصفحة الرئيسية > المشاركات > وثائق وقرارات دولية

الواقع الاقتصادي للسلطة.. تراكم السياسات الخاطئة يفاقم الأزمات

أعلنت الحكومة في رام الله مؤخرا عن إجراءات تقشفية من أجل التعامل مع الحالة الطارئة التي أعقبت قرار وقف استلام أموال "المقاصة" من "إسرائيل" بعد قرار حكومة الاحتلال اقتطاع جزء منها بذريعة استمرار السلطة في دفع رواتب الأسرى

كانت شريحة الموظفين الحكوميين والقطاع الخاص المتضررين الأكبرين من إجراءات التقشف، حيث قررت الحكومة صرف (50%) من رواتب الموظفين، فيما جمدت كثير من المشاريع والعطاءات الحكومية التي يستفيد منها القطاع الخاص.

لا تصنف الإجراءات التقشفية للحكومة على أنها أزمة اقتصادية حقيقية للحكومة، بل تصنف على أنها أزمة سيولة مرتبطة بقرار وقف استلام المقاصة، ولكن في حال استمرارها لفترات أطول فستتحول لأزمة اقتصادية شديدة ؛ ففي الوقت الذي تقرر فيه الحكومة استلام أموال المقاصة تنتهي الأزمة بشكل جذري، كما أن الأموال المحتجزة لدى الجانب الصهيوني هي رصيد فلسطيني خالص.

لا يشكل المبلغ الذي قررت حكومة الاحتلال خصمه من أموال المقاصة الأزمة الحقيقية بالنسبة للحكومة، فالمبلغ الذي قررت حكومة نتنياهو خصمه لا يتجاوز (132) مليون دولار على فترات، فيما المقاصة تتجاوز (2) مليار دولار سنويا، ولكن المشكلة تبقى في مبدأ الخصم وعدم تحكم السلطة بأموال المقاصة.

بلغت قيمة المقاصة في عام (2018) (8) مليار شيقل، بمتوسط (670) مليون شيقل شهريا، فيما تبلغ قيمة الإيرادات الداخلية من ضرائب ورسوم غيرها متوسط ( 400 ) مليون شيقل شهريا أي نحو خمسة مليارات شيقل سنويا، وهذه تجبى مباشرة دون تحكم من الاحتلال، وتغطي الإيرادات الداخلية دون المقاصة نحو (81%) من فاتورة الرواتب.

 

ارتفاع الضرائب وانخفاض الدخل

يدفع المواطن الفلسطيني معدل الضرائب الأعلى في العالم، إذ يصل ما يدفعه المواطن الفلسطيني من ضرائب نحو (40%) من دخله مقارنة مع (36%) في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يجعل من عائدات الضرائب والجمارك الفلسطينية الأعلى عالميا؛ فعلى سبيل المثال أسعار المواد الغذائية، السيارات، السجائر ومشتقاتها، الوقود، الملابس هي الأعلى على مستوى المنطقة مقارنة بجميع الدول المجاورة.

لا يتناسب دخل المواطن الفلسطيني ومتوسط الرواتب مع مستويات الضرائب والجمارك، ولكن السلطة في إطار خططها للاعتماد على الذات وتقليل الاعتماد على التمويل الدولي لجأت إلى استراتيجية تعزيز جباية الضرائب والجمارك بدل التوجه لتعزيز الإنتاج من خلال تطوير الزراعة والصناعة وترشيد الاستهلاك، فمثلا تجبي الحكومة ضريبة البلو ( 4 شيقل ضريبة لكل لتر وقود بغض النظر عن سعره العالمي)، فيما تبلغ ضريبة التبغ نحو (300%) توفر نحو 200 مليون دولار سنويا، وتبلغ جمارك المركبات (75%) من ثمنها، وما إلى ذلك.

رفعت الحكومة خلال السنوات الأخيرة أنواع الرسوم كافة التي تجيبها من المواطنين، فعلى سبيل المثال لا الحصر ارتفعت رسوم تسجيل الأراضي من 1% إلى 3%، الوكالات العدلية من عشرة دنانير إلى 120 دينار، ضريبة الأملاك ، (155) شيقل ضريبة مغادرة عند السفر وهي ضريبة لا يوجد لها مثيل في العالم ، ففي بعض الدول يوجد ضريبة دخول أما ضريبة مغادرة لمواطن البلد فهذا مبتكر؛ وغيره الكثير... فيما أقرت الحكومة مبدأ إقرار "براءة الذمة المالية" كشرط للحصول على أي معاملة حكومية ما يعني أن المواطن يضطر لدفع كل ما عليه من رسوم أو ضرائب مقابل الحصول على أي ورقة حكومية، ما رفع مستويات الجباية.

تنقسم الإيرادات الضريبية للحكومة إلى شقين، المقاصة وهي الجمارك التي تجيبها حكومة الاحتلال من البضائع الفلسطينية المستوردة عبر موانئ ال48، و تتقاضى سلطات الاحتلال وفق اتفاق باريس 3% منها بدل تحصيل؛ والأموال التي حدث حولها الخلاف مؤخرا بعد خصم أموال رواتب الأسرى منها؛ فيما تحصل الحكومة مباشرة الإيرادات والضرائب الداخلية وعملية إعادة تخمين جمارك البضائع الموردة ورسوم المخالفات وما إلى ذلك.

 

غياب العدالة في الإنفاق

تعاني آلية إنفاق الحكومة لهذه الأموال وفق بنود الموازنة العامة من اختلال كبير للغاية؛ حيث تذهب غالبية هذه الأموال للرواتب والمصاريف التشغيلية للوزارات في الحكومة والرئاسة، فيما يذهب أقل من (13%) منها للتطوير والتنمية ومشاريع البنية التحتية؛ حيث يستحوذ قطاع الأمن على ثلث الميزانية، فيما قطاع الزراعة لا يتجاوز 5% وأقل من 1% منها تذهب للتنمية الزراعية.

تترك الحكومة الإنفاق على البنية التحتية والمشاريع التطويرية لكافة القطاعات للجهات الدولية المانحة فيما تتولى هي المصاريف التشغيلية، وكان هذا محط انتقاد كبير، فالغالبية الساحقة من مشاريع البنية التحتية بما فيها الطرق والمدارس والزراعة وتأهيل المناطق الصناعية والمياه والكهرباء ، وتدريب الموظفين ممولة من جهات دولية بإشراف الحكومة.

حصلت السلطة منذ إنشائها وحتى نهاية عام (2017) على (36.5) مليار دولار مساعدات من جهات دولية مانحة، ولكن المشكلة أن غالبية تلك الأموال لم توجه لبناء اقتصاد فلسطيني إنتاجي، بل عززت التضخم البيروقراطي الحكومي وثقافة الاستهلاك.

على الرغم من انحسار التمويل الدولي لفلسطين في الأعوام الثلاثة الأخيرة بشكل كبير، حيث انخفض بنسبة ما بين (60-70%) وفق بيانات وكالات الأمم المتحدة في فلسطين العام الماضي، فإن جهات داعمة أساسية لم تغير سياسات الدعم الخاصة بها لفلسطين ومنها الاتحاد الأوروبي الذي يقدم نحو (800 ) مليون يورو سنويا لمختلف القطاعات في فلسطين، اليابان، الدول العربية، تركيا كداعم جديد أصبح هاما في الساحة الفلسطينية في السنوات الأخيرة.

وشكل انسحاب الوكالة الأمريكية للتنمية (USAID) من فلسطين بقرار من ترمب خسارة نحو 200 مليون دولار سنويا من الدعم الذي كان يذهب قسم منه للبنية التحتية سيما الطرق، وقسم لمنظمات المجتمع المدني،  ورغم أن قرار ترامب شمل وقف كامل الدعم إلا أنه استثنى منه نحو (70) مليون دولار هي التي كانت تذهب للحكومة من أجل دعم قطاع الأمن، وعلى الرغم من قرار السلطة بوقف استلامها وفق إجراءات قانونية لمنع ملاحقتها في القضاء الأمريكي، إلا أنها بقيت مخصصة للسلطة، وتم تحويل تقديمها من الحكومة الأمريكية إلى وكالات الاستخبارات الأمريكية التي ستتولى تحويلها للأمن الفلسطيني مباشرة تلافيا لتلك الإجراءات.

 

انهيار مؤسسات

لم تتضرر الحكومة بشكل مباشر من قطع التمويل الأمريكي، بل من تضرر هو القطاع الأهلي الفلسطيني الذي انهارت عشرات المؤسسات فيه بفعل قطع ذلك الدعم، فيما تضررت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين من مبلغ آخر (65) مليون دولار كانت تقدمه الولايات المتحدة وتم تعويضه من خلال بعض الدول العربية والأجنبية لتلافي انهيار الأنروا.

وتعاني الحكومة من غياب العدالة الضريبية، ومن غياب العدالة في الإنفاق؛ فمبدأ العدالة الضريبية يقوم على أساس ارتفاع شريحة الضريبة مع ارتفاع مستويات الدخل، ولكن ذلك غير متحقق في فلسطين حيث يتمتع كبار رجال الأعمال بامتيازات ضريبية غير عادلة.

وتغيب العدالة في الإنفاق من خلال وجود فوارق كبيرة في الرواتب، فمثلا متوسط رواتب الموظفين بين 2000-4000 شيقل في القطاع المدني، بينما رواتب بعض المحافظين والمستشارين وكبار الموظفين تصل إلى (30) ألف شيقل، كذلك يوجد فرق بين رواتب القطاعين المدني والعسكري، كما تصرف مخصصات ونثريات شهرية عالية جدا لأعضاء الجنة المركزية في حركة فتح والتنفيذية في منظمة التحرير والوزراء والمحافظين وغيرهم.

يوجد بنود إنفاق مبالغ فيها إلى حد كبير مثل البدالات للسفر وغيره والمنح والهدايا لكبار المسئولين وشراء المركبات الحكومية، ورواتب المؤسسات شبه الحكومية، كسلطة الطاقة، والبيئة، والمياه، والأراضي، ورواتب قادة الأجهزة الأمنية؛ وهيئات المدن؛  فهذه المؤسسات لا تخضع لسلم الرواتب الحكومي ، فمن يرأسها هم برتبة وزراء، ويتقاضون أضعاف رواتب الوزراء، بدون سند، وهذه الهيئات تزداد في كل عام أعدادها، ويتم إلحاقها بالحكومة.

وأكدت عديد تقارير رقابية مثل تقارير ائتلاف الشفافية والنزاهة "أمان" على تلك الاختلالات، ومنها شراء المركبات الحكومية ، ورواتب مبالغ فيها، مثل انتداب موظفين في الحكومة لتولي رئاسة هيئات المدن الصناعية ليصل رواتب بعضهم إلى (18) ألف دولار شهريا وفق "أمان".

وتبلغ قيمة فاتورة الرواتب المباشرة لموظفي الحكومة (600) مليون شيقل شهريا، وهو مبلغ يمكن السيطرة عليه، إذا ما تم ضبط الرواتب المبالغ والنثريات والامتيازات الممنوحة لكبار الموظفين ممن لا تشملهم حالة التقشف، والذين بدل أن تطالهم إجراءات التقشف استعاضت عنها الحكومة بإجراءات تقشف مرتبطة بالخدمات العامة والبنى التحتية المتعلقة بجودة الحياة للمواطنين.

فيما يبلغ حجم الدين الحكومي المباشر (5) مليارات دولار موزعة على النحو التالي: (2) مليار لصندوق التقاعد العام الذي أفلسته الحكومة وجعلت رصيده صفر بالرغم من أنه من اقتطاعات الموظفين الحكوميين لصندوق التقاعد ولا يجوز التصرف بأمواله، و(1.2) مليار للبنوك المحلية، و(600) مليون للقطاع الخاص، أما الدين الخارجي فهو (1.5) مليار دولار.

 ويبلغ نصيب الفرد الفلسطيني الواحد، الذي يعيش في فلسطين من الدين الكلي العام، نحو 1815 شيكلا، مقارنة مع 1795 شيكلا في العام 2017، وهو من المستويات المقبولة عالميا والأقل مقارنة بدول الجوار، مثل الأردن مثلا يبلغ نصيب الفرد من الدين العام (4000) دولار.

 

اقتصاد محكوم باتفاق باريس

تتفاقم أزمة السلطة الاقتصادية عاما بعد عام نتيجة الاختلال الهيكلي الناجم عن اتفاق باريس الاقتصادي والذي يحكم العلاقة الاقتصادية بين السلطة وحكومة الاحتلال، فيما تحاول السلطة تعديل اتفاق باريس الذي يقيد أي تحول للاقتصاد الفلسطيني إلى مرحلة التنمية والاعتماد على الذات، وإذا كان يمكن اعتبار اتفاق أوسلو نكبة سياسية للفلسطينيين، فإن اتفاق باريس يعتبر نكبة اقتصادية.

وتشكل عدم السيطرة على أراضي (ج) التي تشكل ثلثي مساحة الضفة الغربية عائقا كبيرا أمام تطور الاقتصاد الفلسطيني فعدم إتاحة الاستثمار في هذه الأراضي يكلف الفلسطينيين بحسب بيانات الحكومة نحو (2) مليار دولار خسائر سنويا.

حسب بيانات للبنك الدولي، فإن الفلسطينيين يدفعون سنويا أثمان مياه للإسرائيليين من مياههم في الضفة الغربية التي تسيطر عليها سلطات الاحتلال وتتحكم بكامل مياهها الجوفية أكثر مما تقدم الدول المانحة مجتمعة للفلسطينيين سنويا من مساعدات.

ويبرز اتفاق أوسلو مشكلة بنيوية في الاقتصاد الفلسطيني يدفع ثمنها المواطن وهي أن الاتفاقيات التي وقعت مع حكومة الاحتلال منذ أوسلو أعطت السلطة كل المسؤوليات عن الشعب الفلسطيني وحرمتها من معظم الموارد المتاحة كما حرمت قدرتها على إدارة الاقتصاد بحرية وأبقت المعابر والمياه والجمارك وغيرها بيد سلطات الاحتلال.

راكمت الحكومات المتعاقبة للسلطة سياسات اقتصادية خاطئة  لم تحقق نجاحا في مواجهة الأزمات المفتعلة من "إسرائيل" بسبب سلوكها التعسفي، ولم تتخذ إجراءات جريئة تسهم في تحويل هيكلة الاقتصاد الفلسطيني والعودة لدور فاعل للقطاعات الإنتاجية والعمل على استرجاع القطاع الزراعي والصناعي لما قبل الاحتلال الإسرائيلي، والعمل على ترشيد الإنفاق والعمل على جباية الضرائب من الأغنياء، فرغم الأزمة المالية الحالية لا تزال الحكومة تدير الملف الاقتصادي بنفس الطريقة.

 

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام

  • Gravatar - Post by
    منشور من طرف IBRASPAL
  • نشر في
اكتب تعليقك

Copyright © 2021 IBRASPAL - Instituto Brasil Palestina. All Rights Reserved.