الأربعاء, 27 أكتوبر 2021

اللغة المحددة: العربية

آخر الأساطيرالصهيونية: الفلسطينيون أصولهم أوروبية

لا يكفّ الصهاينة عن اختراع الأضاليل بهدفين: الأول إثبات الحقّ التاريخي الإلهي لهم في أرض فلسطين. والثاني، نفي ارتباط الفلسطينيين بأرضهم، بما ينتج عن ذلك، من اختراع وتسويغ ما يطلقون عليه «حقائق علمية» تخدم هدفيهما

خاصة بعد صدور كتاب نتنياهو «مكان تحت الشمس» بداية تسعينيات القرن الزمني الماضي، إذ يتم الترويج لأساطير تتناول فلسطين والفلسطينيين، فالأولى كانت أرضاً قاحلة خالية من أيّ مظهر من مظاهر الحضارة (وفقا للكتاب) إلى أن «عاد اليهود إليها وقاموا بتعميرها»، وصولا إلى آخر تقليعة صهيونية، وهي أن أصل الفلسطينيين هو جنوب أوروبا، مرورا بأسطورة وجود «الجين اليهودي الذي يوحّد اليهود في البلدان المختلفة».


كتب نتنياهو في تغريدة له على تويتر، أن «دراسة جديدة للحمض النووي تمت استعادتها من موقع فلسطيني قديم في مدينة عسقلان، تؤكد ما جاء في الكتاب المقدس، أن أصل الفلسطينيين موجود في جنوب أوروبا». وأضاف رئيس الوزراء الصهيوني المؤقت: أن «الكتاب المقدس يذكر مكانًا يدعى «كافتور»، وهو على الأرجح جزيرة كريت، بالتالي لا توجد صلة بين الفلسطينيين القدامى والفلسطينيين الحاليين، الذين جاء أسلافهم من شبه الجزيرة العربية إلى «أرض إسرائيل» بعد آلاف السنين»، على حد وصفه. واعتبر نتنياهو أن «ارتباط الفلسطينيين بأرض إسرائيل ليس شيئًا، مقارنة بـ4000 عام من ارتباط الشعب اليهودي» حسب ادّعائه. وشارك نتنياهو في تغريدتيه باللغة الإنكليزية في دراسة نشرتها مجلة «سينس أدفانسيس» التي تدّعي «إن تحليلا حديثا للحمض النووي أجرته، وأظهر أن الفلسطينيين القدماء جاءوا من جنوب أوروبا قبل أكثر من 3000 عام».


بدايةً، وفي سبيل إثبات كذب الدراسات العلمية الصهيو إسرائيلية، أو الأخرى الدولية المدعومة من العدو الصهيوني، نورد ما يلي: أنه في 19 يونيو/حزيران عام 2017 ادّعى الصهيوني أفيشاي بن حاييم الصحافي في القناة العاشرة، أن هناك ما سمّاه بـ»الجينات اليهودية» بمعنى أن لليهودية جينات خاصة. بالطبع في الخلية الإنسانية يوجد 46 كروموسوما (23 زوجاً) على كل كروموسوم منها حوالي 100 ألف من الجينات، التي هي حمض نووي، وتنقل العوامل الوراثية إلى الأبناء. بالطبع فإن علم الوراثة في شكله الأول من ابن القيّم، مروراً بابن ماجة (اعتمدا على الفراسة) وصولاً إلى علم الأحياء الحديث، ورائده بلا منازع جريفور مندل (أواسط القرن التاسع عشر) كلهم أكّدوا أن الوراثة تقتصر فقط على صفات الإنسان مثل اللون، لون العينين والشعر، الطول، القصر والأمراض المتوارثة وغيرها. ولا يمكن إطلاقاً أن تقوم الكروموسومات وجيناتها بنقل الجنسية والقومية وخصائص الأمة.. إلخ. فقط، لدى الصهاينة الذين هم في أساطيرهم التضليلية يزيّفون وقائع التاريخ والدين والكتب السماوية، وفقاً لأهواء الحاخامات اليهود في العصور الوسطى. فإن جينات اليهودية متوارثة تصوروا هذا التسخيف للعلم، وليّ أعناق حقائقه. في الرد على أضاليل أفيشاي بن حاييم، قال العالم اليهودي بي ميخائيل الذي يعد من أبرز كتاب الأعمدة في صحيفة «هآرتس»، والذي كتب في 22 يونيو 2017، قائلا: «من الصعب معرفة الرد المناسب على حديث بن حاييم، هل يجب علينا الضحك؟ أو شدّ الشعر؟ أو التقيؤ؟ لم أعرف بعد».


بالطبع فإن ميخائيل لا يريد أن يكون الإعلام الصهيوني وسيلة للتندر في الأوساط العلمية العالمية. مضيفا «أن هذا الادّعاء يعتبر سمّا إن جرى استغلاله في عالم السياسة»، حيث أوضح أن «الدمج بين الجينات والسياسة ينشئ دائما العنصرية، النازية، نظرية تفوّق العنصر الآري الأبيض، كما الأبرتهايد»، مؤكداً على أن جميع ما سبق ذكره «وُلد من رحم الاختراعات السياسية». بالفعل، فإن موقع «ستورم فرونت» النازي الجديد، يعتبر الجينات تقنية ملائمة للكشف عن البيض الأنقياء، ما جعل علماء كثيرون يقولون «بأنه دخل مستنقع النازية الجديدة بحذاء التعالي والديماغوجية». إنها المسخرة بكل أشكالها وصورها.

 

لقد توصلت الدراسة الآنفة الذكر، إلى أن الفلسطينيين القدماء الذين وُصفوا بـ»المجموعة الغامضة»، وكأننا لسنا شعباً، كما أنهم ينحدرون من مجموعات عرقية من أوروبيي البحر المتوسط في اليونان أو سردينيا أو حتى شبه جزيرة إيبيريا، التي تضم إسبانيا والبرتغال. ورجح الباحثون الدوليون أن يكون أسلاف الفلسطينيين قد هاجروا عبر البحر المتوسط في أواخر العصر البرونزي، أو في العصر الحديدي المبكر منذ نحو 3000 عام. ولفتت الدراسة المموّلة صهيونيا إلى أن الصبغة الوراثية للفلسطينيين القدماء لم تدم طويلا، فما أن وصل هؤلاء إلى جنوب بلاد الشام حتى تزاوجوا مع السكان المحليين واختلطوا بهم، وهذه البصمة الوراثية لم تعد الآن قابلة للاكتشاف.


علماء الجينات الوراثية قاموا في البداية بأخذ أكثر من 100 عينة استخلص معظمها من الأسنان وعظام الأذن الداخلية، وهما أفضل مكانين لحفظ الحمض النووي للقدماء (مثلما ادّعوا). اللافت أن الخبراء المختصين لم يحصلوا إلا على نتائج الحمض النووي لـ 11 عينة فقط تعود إلى 10 أشخاص عاشوا في الفترة ما بين 3600 إلى 2800 ق.م على حدّ كذبهم (نستغرب كيف تم تحديد الفترة بالضبط، ألا يدعو ذلك إلى العجب). وأكد الباحثون على أن الحمض النووي للعشرة أشخاص كفيل بحل اللغز، وبمقارنة نتائج الحمض النووي في حقب متنوعة بالمنطقة، اكتشفوا مكونا لدى أجداد لفلسطينيين لم يكن موجودا في العصر البرونزي، وتتبع هذا العنصر قاد إلى جنوب أوروبا من دون تحديد منطقة بعينها، لعدم توفر قواعد بيانات بالحمض النووي للقدماء. الباحثون توصلوا إلى نتيجة مفادها أنه يمكن القول «إن أسلاف الفلسطينيين ربما جاؤوا من جنوب أوروبا ووصلوا إلى عسقلان في وقت ما من نهاية العصر البرونزي المتأخر، أو بداية العصر الحديدي». نعم، المغزى السياسي للدراسة وظهورها في هذا التوقيت، بات واضحاً، في ظِل السعي الصهيوني المَحموم لإثبات صلة مفقودة أصلاً بين فلسطين واليهود، خاصة في اختراع المزيد من الأساطير مثل «درب الحجّ» اليهودي الذي افتتحه غُلاة الصهاينة بالقرب من بلدة سلوان الفلسطينية، المسماة لديهم «مدينة داود» باتجاه حائط البُراق (المَبكى يهودياً) شارَكهم في ذلك نواب وسيناتورات أمريكيّون مثل ليندسي غراهام، ناهيك من سفراء أمريكا في إسرائيل واليونان وفرنسا، إلى درجة بدا الاحتفال الاستفزازي الصاخِب وكأنه أمريكي خالِص. نعم، تحضر بالمناسبة تلك التصريحات الصهيونية واليهودية التي تنفي صلة الشعب العربي الفلسطيني بفلسطين، بل هناك من أَنكر وجود شعب يحمل هذه الصفة، عندما تساءَلت غولدا مائير في استعلاء وغطرسة محمولة على نشوة دولتها بـ»انتصاراتها» العسكرية، هل هناك «شيء» اسمه الشعب الفلسطيني؟ ثم توالت عمليات الطمس على أكثر من صعيد، شعبيا وثقافيا وفلكلوريا، كسرقة التراث الشعبي الفلسطيني، وأسرَلة المطبخ الفلسطيني، وتهويد اسماء المدن والقرى والمواقِع الأثرية الفلسطينية وغيرها مِما لا يَخطر على بال. لكن الصهيونية لم ولن تنجَح (حتى باستخدام أسوأ أنواع الارتكابات وجرائم الحرب)، في شطب الشعب الفلسطيني من الخريطة الديمغرافية للمنطقة، وعلى وجه الخصوص داخل فلسطين التاريخية.


فلسطين عربية خالصة، هذا ما تقوله حقائق التاريخ، المؤرخ الإغريقي هيرودوت يؤكد على «أن فلسطين جزء من بلاد الشام»، المؤرخون الفرنجة بأجمعهم يؤكدون باجماع بالنص: «بأن فلسطين ديار عربية»، المؤرخ الشهير هنري بريستيد يذكر بالحرف «أن القدس في فلسطين هي حاضرة كنعانية». بالطبع الكنعانيون هم قبائل عربية، ولهذا أطلق على فلسطين اسم «بلاد كنعان». اليبوسيون العرب استوطنوا الأرض الفلسطينية منذ 4000 عام ق.م، واستوطنوا منطقة القدس عام 2500 ق.م. فلسطين والقدس عربيتان قبل ظهور الدين الإسلامي الحنيف، التأريخ لعروبة القدس (حاضرة فلسطين الأهم) لا يبدأ من الفتح العربي الإسلامي لها في عام 638 م مثلما يذهب العديد من المؤرخين للأسف. الخليفة الأموي مروان بن عبدالملك بنى مسجد قبة الصخرة والقبة ذاتها، تأكيداً لدخول الإسلام (وليس العرب) إلى المدينة. أما أصل ما يعتمد عليه اليهود من تسمية القدس بـ»أورشاليم»، فالأصل في هذه التسمية: أن اليبوسيين العرب هم من أطلقوا عليها الاسم وسموها «أورسالم « أي «مدينة السلام» بالتالي لا علاقة للاسم باليهود لا من قريب ولا من بعيد، ولا تاريخ لهم في فلسطين أو القدس، لذا انتقل صلاح الدين الأيوبي إليها مباشرة بعد معركة حطين، واعتبرها المفتاح الرئيسي لتحرير باقي المناطق الفلسطينية. هذه نتف صغيرة من حقائق التاريخ. نعم، فلسطين يبوسية كنعانية عربية فلسطينية، والفلسطينيون هم جزء من الأمة العربية. الفلسطينيون الحاليون هم أحفاد واستمرار للفلسطينيين القدماء، وتاريخهم أكبر وأعمق من أن ينكره نتنياهو أو دراسة صهيونية التوجّه والأهداف، مصيرها حتما سيكون سلة المهملات، تماما، كما ثبت بطلان أضلولة «الجين اليهودي».


د. فايز رشيد - كاتب فلسطيني

 

المصدر: القدس العربي

  • Gravatar - Post by
    منشور من طرف IBRASPAL
  • نشر في
اكتب تعليقك

Copyright © 2021 IBRASPAL - Instituto Brasil Palestina. All Rights Reserved.