الأحد, 28 فبراير 2021

اللغة المحددة: العربية

أيلول الفلسطيني

بقلم الدكتور محمد إبراهيم المدهون

 لا يختلف أيلول/ سبتمبر عن غيره عندما يتعلق الأمر بالمآسي التي يتعرض لها الفلسطينيون، فلكل شهرٍ حكاية، ومعاناة من نوعٍ جديد، فالمسألة إذن ليست في التواريخ والأشهر والسنوات، وإنما يتعلق الأمر باحتلالٍ ارتكب كل الفظائع بحق الشعب الفلسطيني، ومارس كل الجرائم المروّعة في مواجهة شعبٍ أعزلٍ دفع كل الأثمان في مواجهة مشروع الإحلال والاستيطان والإلغاء ومحاولة طمس الهوية.

 

م ثَّل "أيلول الأسود" في الأردن عام 1970م محطة فارقة في عمر الصراع، بعدما فقد الفلسطينيون أطول حدود مواجهة مع الكيان الصهيوني، لكن الأمر لا يفوق ما حدث من مجزرة مروعة بحق اللاجئين الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان في أيلول 1982، ولا يتعلق أمر أيلول فقط بأحداثٍ نزفت فيها دماء الفلسطينيين فحسب، بل تتجاوزها إلى أحداثٍ ربما ساهمت في تغيير مسار الأحداث كلياً على مستوى الصراع كتوقيع اتفاقية أوسلو في أيلول 1993م، أو الهبة التي أقدم عليها الفلسطينيون رفضاً لافتتاح نفق تحت المسجد الأقصى في أيلول 1996م، أو اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م، وكان أيلول 2005م محطة مضيئة حين انسحب الإحتلال بفعل المقاومة من أول أرض فلسطينية محتلة (قطاع غزة).

 

 أيلول الأسود (أيلول 1970م):

لوضع نهاية لوجود المنظمات الفلسطينية في الأردن، بدأ الجيش الأردني بتنفيذ خطة "جوهر"، وبدأت المجنزرات باقتحام .

الأردن أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين وأكبر خط مواجهة للاحتلال، خسرتها الثورة الفلسطينية فضلاً عن اهتزاز العمق العربي للثورة الفلسطينية، وحالة التصدع المبكر في نسيج القوى الفلسطينية، والإنشغال بصراعات جانبية. أضف إلى الخسارة الوطنية أصيبت م. ت. ف بهزة نفسية معنوية أثرت على المشروع الوطني الفلسطيني وكانت من ردة الفعل إنشاء " منظمة أيلول الأسود " والتي قامت بعدد من العمليات من ضمنها محاولة اغتيال الملك الأردني, ومحاولة انقلاب على الحكم, واستهداف السفير الأردني في لندن واغتيال وزير دفاع الأردن وهو في اجتماع بالقاهرة.

 

▪ مجزرة صبرا وشاتيلا (أيلول 1982م):

قُدرت عدد ضحاياها بـ 3500 حسب تقديرات تحقيق صحفي ( إسرائيلي ) "آمنون كابليوك"، في خلال ثلاث أيام فقط من 15 – 17 أيلول عام 82م، ويبدو أن الهدف ( الإسرائيلي ) التقى مع هدف بعض المليشيات لضرب الوجود المدني والعسكري الفلسطيني  في لبنان.

وعلى إثرها تم عقد مؤتمر قمة "فاس" بالمغرب حيث طرح فيه مشروع تناغم مع الاحتلال ( الإسرائيلي )، لبنان رفضت لجنة دولية لتقصي الحقائق، واليوم بعد 36 سنة لا نسمع عن صوت لا إعلاميًا ولا سياسيًا ولا قانونيًا لمعاقبة المجرمين وكشف الغطاء عنهم، أما دوليًا فقد صنفت الأمم المتحدة المجزرة بأنها " حرب إبادة "، إلا أنه تم الاكتفاء بلجنة تحقيق خرجت بقرارات هزيلة لم تُحمل ( إسرائيل ) المسؤولية, وتم تهرب الفاعلين من المجزرة مما ساهم في عدم الملاحقة القانونية لـ ( إسرائيل ). وقد أكدت المجزرة والخروج من لبنان في نتيجتها ما وقع في الأردن 1970م، ولكن بشكل أكثر بشاعة باعتبار ألا خطوط حمراء، وأن الشعب الفلسطيني بدون قوة تحميه معرض للذبح في رابعة النهار.

 

▪ اتفاق أوسلو (أيلول 1993م):

"اتفاقية أوسلو" اعتراف دولة الاحتلال بالمنظمة على أنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني واعتراف منظمة التحرير بإسرائيل على 78% من أراضي فلسطين – أي كل فلسطين ما عدا الضفة وغزة، ونبذ الإرهاب والعنف (تمنع المقاومة المسلحة ضد الاحتلال) وتحذف البنود التي تتعلق بها في ميثاقها، على أن يتم خلال خمس سنين انسحاب دولة الاحتلال من الضفة الغربية وقطاع غزة على مراحل أولها أريحا وغزة اللتين تشكلان 1.5% من أرض فلسطين، وصولاً إلى دولة في حدود 1967م.

أوسلو فتحت الباب للتطبيع وضياع الحلم، كما كانت صافرة البدء للانقسام الفلسطيني الشرخ الطُولي الممتد حتى لحظتنا هذه, لكن أوسلو فشلت في الفكرة والتطبيق وساهمت أوسلو بالمزيد من الاستيطان الذي قضم القدس والضفة الغربية، تطور عدد المستوطنين في الضفة من (65) ألف إلى مليون بعد أوسلو، وقد وفرت لهم سلطة أوسلو الأمن عبر " التنسيق الأمني ". واليوم وصل أوسلو إلى الجدار الأخير بإعلان فشله من أصحابه وعرابيه ورعاته، ولكن ما زال الشعب الفلسطيني يدفع فاتورته حتى قبره.

 

▪ هبة النفق (أيلول 1996م):

في صباح 25 أيلول 1996م أقدمت ( إسرائيل ) على جريمة فتح باب نفق يمتد بطول 450 متراً اسفل المسجد الأقصى، وبعد محاولتين فاشلتين لفتحه في العامين 1986 و1994م، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير كنتيجة تراكمات من ممارسات حكومة الاحتلال اليمينية، حيث ارتقى (63) شهيداً. ومثلت الهبة إشارة إلى الخرق القادم من جهة أوسلو، ودشنت روح الأقصى التي ستندلع بعد سنوات بانتفاضة ملحمية هادرة.

 

 انتفاضة الأقصى (أيلول 2000م):

 (28 أيلول 2000م)، انطلقت بزيارة شارون للمسجد الأقصى، وفي ظل فشل مشروع التسوية الذي جسده فشل كامب ديفيد وانسحاب عرفات، وتميزت عن الانتفاضة الأولى، بكثرة المواجهات وتصاعد وتيرة الأعمال العسكرية.

وبحسب أرقام رسمية فقد استشهد 4412 فلسطينيًا و48322 جريحًا، فيما قتل 1069 ( إسرائيليًا ) وجرح 4500 آخرون، و أعادت الانتفاضة للاحتلال عقيدته اليهودية ببناء جدار استيطاني على امتداد الضفة الغربية، وفي أيلول 2016م أقر الكيان الصهيوني تخصيص 2 مليار شيكل لبناء جدار أسمنتي تحت الأرض وفوقها ليحاصر غزة الجريحة بعد ملحمة 2014م لتأكيد هذه العقيدة " لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ " (الحشر: 14)، بينما أثبت الشعب الفلسطيني بثورته المتجددة أنه أكبر من قيادته وغير قابل للهزيمة والتراجع مهما كانت التضحيات.

 

▪ الانسحاب من غزة (أيلول2005م):

انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة من جانب واحد تحت مسمى ( خطة الانفصال )، والذي تم في أيلول 2005م. ومثَل مشهد تخريب المستوطنات وتفكيكها وهذا الانكفاء والانسحاب المُذل كنتيجة لانتفاضة الأقصى تجسيداً لقوله تعالى: " هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ " [الحشر: 2]. وتم إحلال مفهوم "المجتمع المذعور" داخل تجمعات الاستيطان في قطاع غزة، وفي ذلك قال (موفاز) "إن العمليات المسلحة التي عرفها الجيش الإٍسرائيلي في قطاع غزة لا تشبه أي حرب خاضتها إسرائيل قبل ذلك.

مثَل الانسحاب من قطاع غزة بارقة أمل فلسطيني بإمكانية الانسحاب الصهيوني من أراضٍ فلسطينية إضافية، كما مثّل هذا الانسحاب امتداداً للانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان في مايو/أيار2000م والذي أضاء حينها طريقا جديدا للفلسطينيين في ظل فشل كامب ديفيد وانكفاء خيار المفاوضات وسقوط أوسلو وحصار عرفات بانطلاق انتفاضة الأقصى، كما رسخ الانسحاب منهجاً فلسطينياً جديداً فعالاً ومجدياً وهو المقاومة بكافة أشكالها وعلى رأسها العمل العسكري، وأثبت هذا الاندحار الصهيوني عن توفر خيارات أمام الشعب الفلسطيني يمكن الاتكاء عليها ومنحها فرصة إضافية لتحرير أجزاء إضافية من أرض فلسطين.

كما منح هذا الانسحاب ولأول مرة أرضاً فلسطينية خالصة للشعب الفلسطيني يمكن أن يطلق من خلالها مشروعه الذي يريد بعيداً عن غول الاستيطان وسيطرة الجيش الصهيوني والالتزامات بالتفاهمات والاتفاقات الموقعة.

وقد مثَل الانسحاب من قطاع غزة بوابة لحركة حماس كحركة مقاومة للدخول في انتخابات عام 2006م، وما مثلته الانتخابات ونتائجها بعد ذلك من علامة فارقة في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

وكان من الممكن أن يمثل الانسحاب من قطاع غزة تحولاً فلسطينياً داخلياً عن النظرة الفلسطينية الضيقة إلى صياغة رؤية فلسطينية موحدة على أساس من إجماع وطني بعد توفر قطعة أرض فلسطينية محررة يمكن الانطلاق منها برؤية وطنية جامعة وشاملة، ولكن للأسف الشديد تكرس الانقسام الفلسطيني، وربما هذا لتباين فلسفة التحرير ومناهج العمل بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني.

 

 أخيراً:

لقد جسدت محطات أيلول الفلسطيني خط بياني لحركة شعب خرج كالعنقاء بعد نكسة 67، وتشتت في المنافي بحثًا عن فلسطين، فسكن إلى جوارها ولم تسعفه المرحلة العربية، ولا أسلوبه القيادي المبعثر في مواصلة الإمساك بزمام مشروعه التحرري، فدفع الثمن من دماء شعبه عبر المجازر ومزيد من الغربة في صحراء العرب، وخاض تجربة العلاقة مع المحتل عبر اتفاقات دولية، فدخل في نفق السراب، وعادت الراية للشعب عبر انتفاضة ملحمية أثمرت تحريراً لأول أرض فلسطينية، لتشكل بارقة أمل في الخيار البديل، في ظل تنكر الاحتلال للاتفاقات، وما يصاحب ذلك من وهن عربي ورعاية أمريكية للربيبة ( إسرائيل ). وما زالت غزة وليدة مخاض أيلول في محطاته المتعاقبة تمثل أيقونة الحلم الفلسطيني في التحرير والعودة، عبر ملاحم ما زالت تسطرها يوميًا في اشتباك شعبي مع الاحتلال عند جميع نقاط الإشتباك البطولي والتي ما زالت بمساحتها الضيقة رغم الحرب والحصار والمقاطعة تمثل مشروع نواة ينبغي أن تتزايد وتنمو من أجل تثبت مشروع التحرير الذي تسنده نواة الدولة الفلسطينية المفروضة رغماً عن الاحتلال وبرامجه، وعلى الجانب الآخر يمثل ذلك حالة تحدي فلسطيني ذاتي في النجاح في تقديم نموذج مشروع كيان ناجح قادر على الصمود والثبات، وكذلك قادرة على إرهاق المحتل من أجل زيادة الرقعة الجغرافية لهذا الكيان الذي ولد في عملية قيصرية تحت عين الاحتلال وسمعه, تماماً كما نشأ موسى عليه السلام في بيت فرعون.

 

▪ واليوم مازالت غزة فى حصارها وصمودها تجسد هذه الروح التي تذكر العالم بمظلومية الشعب الفلسطيني، وبحقه في أرضه التي هُجر منها، وتُعيد الاعتبار إلى جوهر الصراع وأصله بين شعب لاجئ واحتلال مغتصب، ومن هنا أيضًا تتجسد استراتيجية غزة التي تمنح اليوم المشروع الوطني الفلسطيني عبر ائتلاف الهيئة الوطنية والغرفة المشتركة مشروع وحدوي يملك البوصلة في ظل تيه المرحلة. 

 

" وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " (يوسف: 21)



 د.محمد المدهون وزير الشباب والرياضة الفلسطيني السابق ورئيس مؤتمـــر الأمن القومي الفلسطيني.

  • Gravatar - Post by
    منشور من طرف IBRASPAL
  • نشر في
اكتب تعليقك

Copyright © 2021 IBRASPAL - Instituto Brasil Palestina. All Rights Reserved.